ابن عربي
12
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الألفاظ الواردة إلى اللّه تعالى كما نسبها لنفسه ، ولا يتحكم في شرحها بمعان لا يفهمها أهل ذلك اللسان الذي نزلت به هذه الألفاظ بلغتهم ، فنكون ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ، ومن الذين يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون بمخالفتهم ، ونقرّ بالجهل بكيفية هذه النسب ، وهذا هو اعتقاد السلف قاطبة من غير مخالف في ذلك . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) « وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » لما كان العفو يجمع بالدلالة بين الضدين القليل والكثير ، فإنه في المؤاخذة على الذنوب في قوله ويعفو عن كثير يأخذ على القليل ، فيدل هذا العفو على أنه لا بد من المؤاخذة ولكن في قلّة ، والقلة قد تكون بالزمان الصغير المدّة ، ثم يغفر اللّه ويجود بالإنعام ، ورفع الألم عن المذنب المسلم ، وقد يكون بالحال ، فيقلّ عليه الآلام ، بالنظر إلى آلام هي أشدّ منها ، فثمّ ألم قليل وألم كثير ، فأهل الاستحقاق وهم المجرمون المأمورون بأن يمتازوا ، وليس إلا أهل النار الذين هم أهلها ، وهم المشركون لا عن نظر ، فيكون أخذهم بالعفو في الزمان لأن زمان العقاب محصور ، فإذا ارتفع بقي عليهم حكم الزمان الذي لا نهاية لأبده ، فزمان عذابهم قليل بالإضافة إلى حكم الزمان الذي يؤول إليه أمرهم ، فهو عفو عزّ وجل بما يعطي من قليل العذاب ، وهو عفو بما يعطي من كثير المغفرة والتجاوز ، فإنه عزّ وجل قد أمر بالعفو والتجاوز والصفح عمن أساء إلينا ، وهو أولى بهذه الصفة منا ، ولذلك كان أجر العافين على اللّه لكونه عفوا غفورا « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ » وهو القرآن فهو نور من حيث ذاته لأنه لا يدرك لعزته ، وهو ضياء لما يدرك به ولما يدرك منه ، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم ، وفيه ما ليس فيها ، فمن أوتي القرآن ، فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم ،